حسن الأمين

274

مستدركات أعيان الشيعة

واستمر الحصار أربعين يوما سقطت بعده يافا في شباط 1772 في قبضة ظاهر بمؤازرة المراكب الروسية . اما علي بك الكبير فقد عاوده حلمه بالعودة إلى مصر فاتجه إليها من يافا بثلاثة آلاف رجل لكن نهايته كانت في هذه الحملة إذ قتله أبو الذهب في معركة الصالحية قرب القاهرة . ( 1 ) ولعل فيما ذكر من تفاصيل حصار يافا ما يلقي ضوءا جديدا على دور ناصيف وقواته في أحداث تلك الفترة . فعند ما كان العامليون يتركون الحصار أحيانا ويعودون إلى بلدهم كان يتناقص الجيش إلى ثلاثة أرباعه وأحيانا إلى نصفه وفي هذا دليل على أن قوة ناصيف كانت دائما تعادل قوة ظاهر . كما أن في استمرار الحصار بدون العامليين أربعين يوما يعطي صورة عن مدى فعالية العامليين في المعارك الأخرى التي لم ينسحبوا منها . ناصيف النصار وأحمد باشا الجزار على الرغم من صدور فرمان سلطاني بالعفو عن ظاهر وناصيف ( 2 ) فان الدولة العثمانية كانت تعمل على الخلاص من كل من تمرد عليها أثناء حربها مع روسيا وهكذا فان النهاية المأساوية لظاهر العمر حيث قتل غدرا بيد أحد جنوده أثناء محاولته الهرب واللجوء إلى جبل عامل من القوى العثمانية التي حاصرت عكا ( 3 ) ان هذه النهاية ترسم المستقبل الصعب الذي كان على ناصيف النصار أن يواجهه فيما بعد . لسيد جبل عامل الشيخ ناصيف في علاقته مع الطاغية القادم من الجنوب أعني بذلك أحمد باشا الجزار والي عكا الجديد . ناصيف النصار والجزار ( مرحلة التناصر [ أو ] والائتلاف ) كانت سياسة الجزار تقوم على المبدأ الأساسي الذي يطبقه كل طامع ومستعمر وهو فرق تسد ! ولم يحد الجزار عن هذه السياسة وكانت خطته تقضي بتشتت الخصوم وإثارة التنافس فيما بينهم ومساعدة الواحد منهم على الآخر تمهيدا للقضاء عليهم جميعا . لذلك قد لا نعجب إذا كانت الظروف قد أجبرت الشيخ ناصيف على أن يكون حليفا للجزار على الأقل في المرحلة الأولى من حكم هذا الطاغية . ومما لا شك فيه ان هناك عوامل عديدة دفعت الجزار إلى ممالأة الشيخ ناصيف في بداية الأمر فقد عملت الغزوات المتكررة التي تعرض لها جبل عامل على جعل العامليين يهتمون بتحصين جبلهم للوقوف في وجه الطغاة من هنا كان اهتمامهم بتحصين القلاع وتمتين الحصون كالشقيف وميس وهونين وتبنين ومارون ودوبيه . . . وكانت هذه القلاع تستدعي قوة عسكرية كبيرة لاحتلالها وهذا ما لم يكن متوفرا للجزار في بداية عهده على الأقل . يضاف إلى هذا طبيعة نظام الحكم الذي كان أقامه ناصيف النصار في جبل عامل والذي كان يعتمد على شكل من أشكال اللامركزية السياسية خلافا لما كان عليه الأمر في جبل لبنان . ففي جبل لبنان كانت دير القمر تشكل العاصمة المركزية حتى إذا سقطت هذه العاصمة سيطر الفاتح على كل جبل لبنان . أما في جبل عامل فان السلطة السياسية كانت موزعة على عدد من المراكز أبرزها تبنين ، جبع ، هونين ، الشقيف وسواها من المراكز المهمة . وكان هذا التوزيع يعيق عملية اجتياح الجبل . وربما كان السبب الأبرز ان مبادرة الثورة على الدولة العثمانية كانت من قبل ظاهر العمر وعلي بك الكبير وأن ناصيفا رأى فيها فرصة مناسبة فشارك فيها . لم يكن بإمكان ناصيف النصار التفلت من سياسة الجزار الجديدة . ولكن بالمقابل لم يستطع الجزار إيقاعه مبكرا في حبائله . شانه مع الأمير يوسف الشهابي وأولاد ظاهر العمر لأن ركيزة ناصيف في جبل عامل ومتانة وضعه العسكري والسياسي جعله يصمد فترة قصيرة بالقياس الزمني وطويلة بالمقياس السياسي أمام خطة الجزار . فكانت العلاقات تتقلب لفترة في المواقف المتدرجة في حدتها من الائتلاف إلى الفتور فالاختلاف والتصادم الذي يقود إلى الاستشهاد . ومن يدرس طبيعة الأوضاع في تلك المرحلة يلاحظ أن الجزار لم يؤخر صدامه مع الشيخ ناصيف إلا لأنه كان مضطرا أو مكرها على ذلك بسبب القوة الذاتية التي امتلكها ناصيف النصار . فأطراف التجمع العاملي كانوا وحدة متماسكة وقد زاد من تماسكهم تحسبهم لأحداث ستطرأ على المنطقة من قبل الجزار . كما كان لحكمة الشيخ ناصيف أكبر الأثر في الحرص على تماسك هذه الوحدة حفاظا على إبقاء الجبل خارج دائرة أطماع الجزار أطول مدة ممكنة . وليس أدل على قوة ناصيف من محاولة بعض الأمراء الشهابيين ومشايخ الشوف اللجوء اليه خلال نزاعهم مع الأمير يوسف الشهابي . ففي سنة 1776 كان حسن باشا - قائد الحملة التي قضت على ظاهر العمر - والجزار من بعده يلح بمطالبة الأمير يوسف عما تأخر عليه من أموال الميري خلال فترة ولاية ظاهر العمر على صيدا . فوقع الأمير بعجز مالي عالجه بمصادرة أملاك بعض الأمراء الشهابيين . ففر هؤلاء إلى الأمير إسماعيل الشهابي في حاصبيا . وقد استطاع هذا تسوية الأمور وإقناع الأمراء بالعودة إلى دير القمر باستثناء الأمير سيد أحمد وأفندي اللذين « بقيا ثائرين على أخيهما وجعلا يحزبان الأحزاب ويستميلان إليهما ناصيف النصار كبير المتأولة » . ( 4 ) وتبدو قوة ناصيف أكبر فيما لو عرف ان استرضاء الأمير يوسف لأخويه في حينه وإعادة املاكهما إليهما يعود ببعض جوانبه إلى خشية الأمير يوسف من الاصطدام بناصيف . ( 5 ) وفي سنة 1780 جعل الأمير يوسف ينتقم من النكديين ويلحق القهر بهم وخاصة « بالشيخ كليب ففر من دير القمر وأولاده وخواصه هاربا إلى جبل عامل وأقام عند الشيخ ناصيف النصار » . ( 6 ) ومكث في جبل عامل فترة طويلة حتى 1782 . من كل ما تقدم نلاحظ حرص الأمير يوسف على عدم التورط في نزاع حقيقي مع ناصيف النصار على الرغم من حرص الشيخ ناصيف على الاستمرار بعلاقة طيبة مع بعض أعيان الشوف . لا سيما مع الذين عرفوا بمناهضتهم للأمير يوسف . وقد تجلى هذا الأمر حتى بالمناسبات الاجتماعية ففي ذي القعدة 1191 / 1777 حضر الأمير عثمان بن سليمان باشا الشهابي إلى قلعة مارون وعزى بالشيخ أسعد بن محمد النصار الذي كان قد توفي في يوم الجمعة 13 شوال من السنة نفسها . وفي 21 شعبان 1192 / 1778 ذهب جميع مشايخ جبل عامل إلى بلاد الدروز للتعزية بالشيخ علي جنبلاط الذي كان قد توفي في 18 شعبان . وفي ذي القعدة من السنة نفسها ذهب عقيل بن ناصيف إلى عند أولاد علي جنبلاط . ( 7 )

--> ( 1 ) العرفان . ( 2 ) لبنان في عهد الأمراء . ( 3 ) تاريخ ظاهر العمر . ( 4 ) لبنان في عهد الأمراء ( 5 ) اخبار الأعيان . ( 6 ) ن . م . ( 7 ) العرفان